جمال الدين بن نباتة المصري
59
سرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون
فألقته إليه ، فأخذه ، وقال : ازرعوه ، فزرعوه ، فنبت ريحانا لم يكن يعرفه ، « 1 » فقال : نعم ما كافأتنا به الحمامة ، نسأل اللّه الذي ألهمها أن يلهمنا الإحسان إلى رعيّته ، والشّكر على نعمه . وخصّ كسرى بأشياء لم تكن لغيره من الملوك على ما ذكره كثير من الرّواة . منها الفيل الأبيض لركوبه ، طوله اثنا عشر ذراعا ، وقطعة الياقوت المسمّاة « لسان الثور » تضئ باللّيل أكثر من السّراج « 2 » والفلهيد المغنّى واضع العود الخراساني على اثنى عشر وترا كلّ من ضرب به خرّج الهواء . وكان يعمل له كل يوم مع طعامه مهر من الخيل ، وعناق زرقاء مغذّاة بألبان النعاج ، يذبحان بسكّين من الذهب ، ويسجر التنّور بالعود ، ويسمط بالخمر المغلىّ ، ويطلى بالمسك والملح ، ويعلّق في سفّود من ذهب ، ونارجين من ذهب ، فإذا برد حمل فوضع على خوان من ذهب ، فيقدم إليه فيأكل أكثره ، ويتحف بالبقيّة من أحب من ندمائه ، ويكسر التنور ويجدّد كلّ يوم مثله . واجتمع على بابه سبعون ملكا . وله حكايات حسنة مذكورة في سيره : فمنها أنّ عاملا له على ناحية كتب إليه يعلمه بجودة الربيع ، ويستأذنه في الزيادة على الرّسم ، فأمسك عن إجابته ، فعاوده العامل في ذلك ، فكتب إليه : قد كان في تركى إجابتك عن كتابك ما حسبتك تنزجر به عن تكلّف ما لم تؤمر به ، فإذ قد أبيت إلا تماديا في سوء الأدب ، فاقطع إحدى أذنيك ، واكفف عمّا ليس من شأنك . فقطع العامل أذنه ، وسكت عن ذلك الأمر . ومنها أنّ رجلا على عهده كان يقول : من يشترى ثلاث كلمات بألف دينار ؛ فتطيّر منه الناس ، إلى أن وصل إلى كسرى ، فأحضره وسأله عنها ، فقال : ليس
--> ( 1 ) ط : « يعرفونه » . ( 2 ) ت : « السروج » .